|
|
بسم الله الرحمن
الرحيم
خطبة الوداع (10 هجرية)
ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة وقد نزل
فيه الوحي مبشراً أنه "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
ديناً"
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها
الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في
شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها
إلى من ائتمنه عليها.
وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه
لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد
المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما
قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية – ألا هل بلغت
اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع
فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسئ
زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم
الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق
الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم
خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو
الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشهم
غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن
الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن
انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن
عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم
فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل
بلغت....اللهم فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه – ألا
هل بلغت اللهم فاشهد.
فلا ترجعن بعدى كافراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن
تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله
اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت....اللهم فاشهد قالوا
نعم – قال فليبلغ الشاهد الغائب.
أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا
يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو
تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل.
والسلام عليكم.
في يوم ليس
كمثله يوم، التقى وحي السماء بقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا"، بوحي الارض: "وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي
يوحى". وكلاهما القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، كان يعلن في يوم جمعة من يوم عرفة
اكتمال هذا الدين. حيث مضى النبي على حجه متماهيا مع التنزيل العزيز فكرا وتوقيتا
فأرى الناس مناسكهم واعلمهم سنن حجهم، مستشرفا جلال الموقف وجلل الامر الذي من اجله
ابكت الآية: "اليوم اكملت لكم دينكم." ابا بكر الصديق، فبذلك بدأ النبي الكريم
بقوله: "فانني لا ادري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ابدا"، وهذا ما بدا
جليا في قوله صلى الله عليه وسلم: "ايها الناس اسمعوا قولي"، فبينما تكفي صيغة
"ايها الناس" للفت انتباه المخاطَبين، الا ان خصوصية الموقف والمناسبة اقتضت تعظيم
الانتباه فقال: "ايها الناس اسمعوا قولي"، بل انه زاد، عليه الصلاة والسلام، على
ذلك في موضع آخر من خطبته الشريفة عندما تعرض لخصوصية العلاقة الزوجية التي يبدأ
منها المجتمع المسلم سليما معافى او مثقلا بالامراض الاسرية والاجتماعية فشدد على
لفت الآذان والقلوب والعقول بقوله: "فاعقلوا ايها الناس قولي"، ثم انه استنفر
الالباب بقوله: "اما بعد ايها الناس" في موضعين من خطبته العصماء، مرة عندما اعلن
افلاس الشيطان الا من بعض "ما تحقرون من اعمالكم"، مذكرا بمشهد اندحاره يوم الفتح
وقد تهاوت الاصنام من فوق الكعبة ليعلن نبي هذه الامة بقوله:"جاء الحق وزهق الباطل"
فعن هذا قال: "فان الشيطان قد يئس من ان يعبد بارضكم هذه ابدا" والثانية عندما اختص
النساء بوصيته وأعلا من مكانتهن في المجتمع الاسلامي مذكرا باول ميثاق لحقوق المرأة
شرّعه القرآن الكريم "واستوصوا بالنساء خيرا فانهن عندكم عوان لا يملكن لانفسهن
شيئا، وانكم انما اخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله". فارتقى صلى
الله عليه وسلم بهذا كله جوامع الكلم، فاوجز ايجازا هو اقرب الى الكمال واعظم من
الاطناب في فهم المراد فبيّن فيه ما بيّن، وخطب في الناس ولعله ايضا اوصاهم بما
اوصاهم به.
فبالهاجس
اليومي للانسان الذي يفتّ في فكره ومعاشه بدأ النبي منبها على ان سلامة المعتقد من
سلامة المجتمع بل لعله اراد ان العكس صحيح، فمن فضاء عرفة بخصوصيتها الايمانية
والروحانية فقد خاطب خاتم الانبياء والرسل الفضاء الاوسع والاشمل والاعم بقوله:
"ايها الناس."، فاوصى محذرا من امر عظيم "ان دماءكم واموالكم عليكم حرام" لكنها
حرمة ليست كغيرها من الحرمات، فتموضعت في مكانتها من التعظيم سواء بسواء "كحرمة
يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا الى ان تلقوا ربكم"، واذ المسألة على هذا النحو من
الحساسية والخطورة، فقد طوق الرسول ابعادها بقوله: "فمن كان عنده امانة فليؤدها الى
من ائتمنه عليها"، ثم اوثق الناس ميثاقهم على قانون سماوي له قوة الاثر الرجعي
لاجتثاث آثار الربا وتبعات الدم لقوله: "وان كل ربا موضوع. قضى الله انه لا ربا وان
ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله"، مثلما "ان كل دم، كان في الجاهلية، موضوع"، وان
كان حدد صلى الله عليه وسلم الزمن الرجعي الذي اسقط به الثأر لقوله: "وان اول
دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته
هذيل، فهو اول ما ابدأ به من دماء الجاهلية" فقد اراد بذلك اولا: تحديد الزمن
الكافي والكفيل بمحو ذاكرة الثأر وارث الدم الجاهلي، وانه ثانيا: بدأ من دم ابناء
عبد المطلب مثلما اكد على ان ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله.
وكان الزمان
له مكانته في خطبته الشريفة فبين ان "الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والارض، وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها اربعة حرم"، حدد صلى الله
عليه وسلم اسماءها ومواقعها بانها: "ثلاثة متوالية ورجب مضر الذي بين جمادى
وشعبان"، فوضع حدا للخلط بين رجب/ مضر الذي عناه وبين رجب الذي كانت تستبدله ربيعة
برمضان فتحرم فيه.
وجاء القول
الفصل في امر المسلمين كله، فاشهدهم صلى الله عليه وسلم على خطة ايمانية تقيهم
ضلالتين: ضلالة الدنيا وضلالة الآخرة، فاوصى وصية النبي الحريص على الرسالة
واتباعها من بعده بقوله: "وقد تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي ابدا امرا
بينا كتاب الله وسنة نبيه".
ايها النبي
الكريم, يا من اشرقت الارض بنور ربها يوم مولدك الشريف، ويا من آليت على نفسك في
سكرات الموت الا ان تعزي امتك بفراقك بان الموعد ليس هنا ولكنه "عند الحوض" باذن
الله، دون ان ينسيك النزع الأخير هدية السماء التي عدت بها ليلة اسرائك "الله الله
الصلاة, الله الله الصلاة".
يا من شرفك
الله باكمال هذا الدين على يديك فتوافق اعلان السماء ونزول الوحي زمانا ومكانا مع
خطبتك الشريفة: نشهدك يا رسول الله على قولك الشريف "اللهم هل بلغت" فنقول، اللهم
نشهد انك بلغت كما اراد ربك، يا من صلى الله عليك والملائكة والناس اجمعون.
|