الرئيسية الملتقى من نحن اتصل بنا
القائمة الرئيسية
المنتديات
القران الكريم
اعرف نبيك
زواجات النبي
أخلاق النبي
ابناء وبنات النبي
اهم غزوات النبي
مقتنيات النبي
نزول الوحي
خطبة الوداع
أهلاً وسهلا بكم في .::.  شبكة بلادي للدفاع عن رسوال الله ( صلى الله عليه وسلمـ ) .::.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وموضوع اليوم نزول الوحي والبعثة النبوية .

أيها الإخوة ، بدأ نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون عاماً ، وسوف نقف وقفة متأنية عند كلمة ( أربعون عاماً ) ، لأن هذه السن سن النضج  

قال الإمام القرطبي : " النذير سن الأربعين " ، فمن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة .

(( من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار )) .

[أخرجه الأزدي عن عبد الله بن مالك الهروي ]

هذه السن سن النضج .

أيها الإخوة ، وقصة بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بنص صحيح من حديث عروة بن الزبير .

بالمناسبة ، هناك من يظن أن الإسلام تراث ، التراث أرضي ، الإسلام وحي السماء ، فرق كبير بين الثقافات التي هي من صنع البشر وبين وحي السماء الذي هو من عند خالق البشر ، كما أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، إذاً بين وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبين ثقافات الأرض كما بين الأرض والسماء ، إذا قلنا : وحي فهذا شيء آخر ، حق صُراح ، ليس فيه باطل ، ولا شك ، لا يعدّل ، ولا يبدّل ، ولا يغيّر ولا يطوّر ، ولا يحذَف منه ، ولا يضاف عليه ، لذلك هؤلاء الذين يتحدثون عن تجديد الخطاب الديني قد يقصدون إلغاء الخطاب الديني ، أو تفريغه من مضمونه ، لأنه ما من تعريف جامع مانع للتجديد في الدين إلا " أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه " ، الدين توقيفي ، لذلك قال العلماء : الأصل في العبادات ، وفي العقائد الإسلامية الحظر ، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي الثبوت والدلالة ، لكن الدنيا الأصل فيها الإباحة ، ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي والثابت

إذاً من بلغ سن الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة ، (( من أتت عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار )) .

[أخرجه الأزدي عن عبد الله بن مالك الهروي ]

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

***

إلى متى أنت باللذات مشغول       وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

أما الحديث الصحيح الذي روي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : (( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ...)) .

[متفق عليه]

لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : (( أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ ، أَوْ تُرَى لَهُ ...)) .

[ رواه مسلم]

إما أن تكون بشارة ، وإما أن تكون لفت نظر ، على كلٍّ الرؤيا طريق مباشر بين العبد وربه ، فكان عليه الصلاة والسلام قبل نزول الوحي يرى الرؤيا الصالحة فتأتي مثل فلق الصبح ، ولعل الرؤيا الصالحة من تكريم الله للإنسان .

(( ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ )) ، الوحدة ، أي التفكر ، والتأمل

 

إذًا كان عليه الصلاة والسلام يتفكر في غار حراء الليالي ذوات العدد ، فعلى كلِّ مؤمن أن يتفكر كل يوم بعض الوقت في خلق السماوات والأرض .

أيها الإخوة ، إذا كان في القرآن الكريم آية فيها أمرٌ ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تأتمر ، وإذا كان في القرآن الكريم آية فيها نهي ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تنتهي ، وإذا كان في القرآن الكريم مشهد من مشاهد يوم القيامة ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تبادر إلى أسباب الجنة ، وأن تبتعد عن أسباب النار ، وإذا كان في القرآن الكريم قصص الأولين ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تتعظ ، وأن تجتنب أسباب هلاك الأمم ، وإذا كان في القرآن الكريم 1300 آية كونية ماذا تقتضي هذه الآيات ؟ أن تقلد النبي صلى الله عليه وسلم كما تفكر في غار حراء ، أن تتفكر في هذه الآيات ، وهذه الآيات في الحقيقة هي منهج بحث عن الله عز وجل .

وكان يخلو في غار حراء ، وقد قال بعض العلماء : " من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة " ، أنت حينما تجول في آيات الله الدالة على عظمته تعرف الله  ، ومعرفة الله أصل الدين ، أصل الدين معرفته ، وهذا الذي يقع في العالم الإسلامي من تفلت لا بسبب جهل المسلمين بأحكام الفقه ، ولكن بسبب جهل المسلمين بالذات الإلهية ، إذا عرفت الآمر ، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر .

(( وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ـ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا )) ، الإنسان أحياناً يسعد إلى الأبد بلحظة تفكير صادقة .

سيدنا نُعيم ابن مسعود زعيم قبيلة غطفان ، جاء المدينة ليحارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق ، وهو في خيمته ، وقد أصابه أرق ، خاطب نفسه ، وقال : يا نُعيم ، ما الذي جاء بك إلى المدينة ؟ لتقاتل هذا الرجل الصالح ؟ ماذا فعل ؟ أَنتهك عرضاً ؟ أسلب مالاً ؟ أسفك دماً ؟ أين عقلك يا نُعيم ؟ أنا أتمنى عليكم جميعاً أن تخلوا أحيانا بأنفسكم ، أن تفكر من أنا ؟ ماذا هدفي في الحياة ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا أعددت لآخرتي ؟ دقق في أعمالك ، في حرفتك ، في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في تربية أولادك ، هل حرفتك ترضي الله أم لا ترضي الله ، لا ينبغي أن تأخذك الدنيا ،

 

ما معنى هوناً ؟ لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي هوناً ، كان إذا مشا كأنه ينحط من صبب ؛ من جبل ، السيدة عائشة كانت تقول : " رحم الله عمر ، ما رأيت أزهد منه ، كان إذا سار أسرع ، وإذا أطعم أشبع ، وإذا ضرب أوجع .

إذاً ما معنى : ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ ، أي يمشي بتؤدة فكرية ، لا يسمح للدنيا أن تأخذه ، لا يسمح للدنيا أن تنسيه هدفه ، لا يسمح للمصائب أن تنقله إلى اليأس والقنوت ، واعٍ  ، متبصر ، متفائل  .

(( وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ـ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي ، فَغَطَّنِي ـ معنى غطني أي عصرني ، لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام ، تأمل ، حلم ، لا ، الوحي شيء مادي ـ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي ، فَغَطَّنِي ـ أي عصرني ـ الثَّانِيَةَ ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ـ أي التعب والإعياء ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ـ لئلا يتوهم متوهم أن الوحي حلم ، منام ، تأمل ، تصور ، جاء الوحي على شكل مادي ـ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ،

ولنا مع هذه الآيات وقفة متأنية إن شاء الله عز وجل في القسم الثاني من الدرس .

(( فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي ـ أي دثروني ، ضعوا علي الدثار ـ فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ )) .

 

عظيم عظماء الأرض ، سيد ولد آدم ، حبيب خالق الأكوان ، أصابه خوف من الذي هدأت روعه ؟ زوجته ، أريت إلى هذا الدور الخطير ‍، لذلك السيدة خديجة كانت سنده من الداخل ، وحينما توفيت سُمي العام الذي توفيت فيه بعام الحزن .

(( حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : كَلَّا )) .

أيها الإخوة ، لم يكن هناك وحي ، ولا حديث شريف ، ولا أحكام ، قالت هذه الزوجة العظيمة  كلمة الفطرة ، قالت له : (( كَلَّا ، وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ )) .

أيها الإخوة ، أيها الشباب ، دققوا فيما سأقول : أنت أيها الشاب ما دمت مستقيماً ، ما دمت غاضاً لبصرك  ما دمت صادقاً في كلامك ، ما دمت أميناً على ما ائتمنت عليه ، ما دمت باراً بوالديك ، لك هذه البشارة ، هذه البشارة قانون ، والله لا يخزيك الله أبدا ، في أي عصر ، في أي مكان ، في أي مصر ، في أي ظرف .

كن مع الله تـر الله معك       واترك الكل وحاذر طمعك

وإذا أعطاك من يمنـعه        ثم من يعطي إذا ما منعك

***

(( كَلَّا ، وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ )) .

فعلاً كانت السيدة خديجة سنده من الداخل .

بالمناسبة ، الإنسان إذا تزوج ، واختار زوجته بطريقة تروق له ، واكتفى بمتعة أن يملأ عينيه من محاسنها ، ولم تكن في مستواه الفكري ، فهذا الزواج لا ينجح ، وسريعاً ما يمل كل طرف صاحبه ، لكن إذا كانت الزوجة على جانب من العلم يحصل بينك وبينها مشاركة فكرية  ، مشاركة وجدانية ، أنت لا تسعد بزوجة تشاركك همومك ، تشاركك في مبادئك ، وفي قيمك وفي طموحاتك ، فلذلك تعلُّم الفتاة له معنى كبير ، لأنك إن علّمت شاباً علّمت واحداً ، أما إن علّمت فتاة علمت أسرة بأكملها .

السيدة خديجة أكبر دليل على أنها كانت سند النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إن أبلغ شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم أنه حينما فتح مكة ، ودعاه سادة قريش ليبيت عندهم ، قال : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ، وركز لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم أهل الأرض أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر ، هذه الحياة الزوجية الراقية ، أن تكون زوجتك قريبة من طموحاتك ، ومن همومك ، ومن أهدافك .

(( فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : يَا ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : يَا ابْنَ أَخِي ، مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا )) .

معنى ذلك أن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، من بدء الخلق إلى يوم القيامة ، ليمتحن الله المؤمنين ، ولولا هذه المعركة لما كانت جنة ، أليس الله قادراً أن يخلق الكفار في قارة ، والمؤمنين في قارة ، ليس هناك بدر ، ولا أحد ، ولا الخندق ، ولا فتح مكة ، وكل الناس مؤمنون مسالمون ، عندئذٍ ليس هناك جنة .

 

لذلك حينما تأتي المحن تكون بعدها المنح، حينما تأتي الشدائد يكون بعدها شَدة إلى الله عز وجل .

في متحف استنبول ماسة قيمتها 150 مليون دولار ، بحجم البيضة ، 150 مليون دولار ، ما أصل الماس ؟ فحم ، ائتِ بفحمة بحجم هذه الماسة كم قيمتها ؟ خمسة قروش ، قرش ، ما الفرق بين القطعتين ؟ 150 مليون دولار ، والضغط الشديد الذي أصاب الفحم جعله ماساً ، الحرارة الشديدة التي أصابت الفحم جعلته ماساً ، والآن الماس التقليدي أساسه فحم ، عُرض لضغط شديد ، ولحرارة مرتفعة .

فالشدائد والضغوط هذه تصنع الرجال ، وتصنع البطولات ، وقد تكون سبباً لدخول الجنة ، الدنيا ليست دار جزاء هي دار ابتلاء ، واسم الله عز وجل العدل محقق في الدنيا جزئياً ، بينما هو محقق يوم القيامة كلياً .

ليست العبرة أن تسلم من كل مصيبة ، العبرة أن تقف الموقف الكامل مع كل مصيبة .ثم لم يلبث أن توفي ورقة ، وفتر الوحي فترة ، حزن النبي لها حزناً شديداً ، لكن كان جبريل يتبدى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول له : يا محمد ، إنك رسول الله حقاً ، كان يرى جبريل من حين إلى آخر ، لأنه لما فتر الوحي تألم النبي عليه الصلاة والسلام    

 

أكبر عطاء تناله من الله أن تكون لك مع الله مودة ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان في أعلى درجات سعادته حينما جاءه الوحي ، فلما غاب عنه طويلاً ، ما الحكمة أنه غاب عنه ؟ الحكمة أن هذا الوحي ليس في مقدور النبي أن يجلبه ، ولا أن يدفعه ، هو منفصل عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم .

أيها الإخوة ، أوضح دليل أنه لما اتهمت السيدة عائشة رضي الله عنها ، واتهمت في أخطر وأثمن ما تملكه فتاة على وجه الأرض ، في شرفها ، وطهارتها ، وعفتها ، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس عنده دليل إثبات ، ولا دليل نفي ، وتألم أشد الألم ، ولهطت الأفواه ، وأرجف الناس في المدينة ، وشاعت قصتها ، الزوجة الأولى ، السيدة الأولى ، تتهم بعفتها ؟!

   

بينما المنافقون ولغوا في حديث الإفك ، وارتاحوا له ، لماذا تأخر الوحي في تبرئتها قريباً من أربعين يوماً ، لو أن الوحي بملك النبي لجاءت بعد دقيقة آية تبرّئها ، هذا دليل قوي جداً على أن الوحي ليس بملك النبي ، الوحي منفصل عن رسول الله انفصالاً كلياً ، نحن ديننا دين وحي ، ديننا ليس تراثاً ، وليس ثقافة ، دين وحي .

أيها الإخوة ، يروى أن السيدة خديجة دعت النبي e إلى أخذ قسط من الراحة ، بعد ما أصابه ما أصابه ، فقال كلمة والله كلما ذكرتها اقشعر جلدي ، قال لها : انقضى عهد النوم يا خديجة ، هل تحمل هم المسلمين ؟ هل تحمل متاعبهم ، هل تفكر بالتخفيف عنهم ، هذا الذي يعيش لذاته لا وزن له عند الله ، هل فكرت يوماً لحل مشكلة لمن حولك ، حل مشكلة شاب ، تزويج شاب تزويج فتاة ، مساعدة ضعيف ، معالجة مريض ، هل فرحت لخير أصاب المسلمين ؟ هل تألمت لشر أصابهم ؟ أم لا يعنيك ذلك إطلاقاً ، والله ما لم نحمل هموم بعضنا ، ما لم نسعى لتخفيفها ، فلا وزن لنا عند الله إطلاقاً ، كان عليه الصلاة والسلام يقول : (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ، ولضحكتم قليلا )) .

[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء ]

لأنه كان يحمل هم البشرية ، وكلما اتسعت دائرة اهتمامك ارتقى مقامك عند الله .

 

أيها الإخوة ، لقد كان بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونزول صدر سورة ] اِقْرَأْ [ نقطة تحول في تاريخ البشرية ، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور ، إلى طريق الله المستقيم ، المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة .

أيها الإخوة ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( بينَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السّمَاءِ ، فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْباً ، فَرَجَعْتُ ، فَقُلْتُ : زَمّلُونِي ، زَمّلُونِي ، فَدَثّرُوني

 

هذه نقطة التحول ، أربعون عامًا يعاني النبي ما يعاني في قومه ، من الفساد ، والربا  وشرب الخمور ، والزنا ، والعصبية الجاهلية ، والحروب ، والاقتتال ، ونحن الآن والله في جاهلية أشد ،

إخواننا الكرام ، أقرباؤك لهم ميزة ، أنه ليس بينك وبينهم حاجز ، أنت هل تستطيع أن تمشي في الطريق ، وأن تمسك بيد إنسان ، وأن تقول له : تعال معي إلى المسجد ؟ لا تستطيع ، أما أخوك ، ابن أخيك ، ابن عمك ، ابن خالتك ، صديقك ، زميلك ، جارك ، قال تعالى : ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ ، ينبغي أن تستغل أن هؤلاء الأقرباء الذين هم حولك واثقون منك ، ليس هناك حاجز بينك وبينهم ، فلذلك : ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ، عرفهم بعظمة الله عز وجل ، كبر ، قل : الله أكبر ، نقولها دائماً نحن ، اسمعوا هذه الكلمات ، نرددها كثيراً : من أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة ، لأنه رأى أن طاعة هذا المخلوق أثمن عنده من طاعة الله ، فكلمة الله أكبر قالها كاذباً ، من أطاع زوجته وعصى ربه ما قال الله أكبر ولا مرة ، ولو رددها بلسانه ألف مرة ، من غشى المسلمين ، وجاء ليصلي ، وقال : الله أكبر فهو كاذب ، لأنه رأى أن هذا المبلغ الكبير الذي حصله من غش المسلمين أكبر عنده من الله ، لذلك الله أكبر يجب أن تستند إلى واقع ، وإلا أصبحت كلمات المسلمين كلمات مفرغة من مضمونها ، لا تعني شيئاً ، تقول : الله أكبر ، وكل شيء عندك أكبر من الله .

لذلك أيها الإخوة ، قال لها : انقضى عهد النوم يا خديجة ، وقد ثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين ، كما أن المشهود أن ذلك حصل في شهر رمضان

والوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين

الآن بعض أوصاف الوحي ، كان عليه الصلاة والسلام يعاني من التنزيل شدة فكان جبينه يتفصد عرقاً ، في يوم الشديد البرد ، وكان وجهه يتغير ، ويبدو عليه علامات التعب الشديد ، وكان جسمه يسخن ، يقول زيد بن ثابت : فأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ فخذي ، وكان يركز ذهنه بشدة لحفظ القرآن ، فيحرك به لسانه وشفتيه من شدة اهتمامه ،

 

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه ، والشوق إليه ،

 

وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيه الوحي حين قال : (( أَحْيَانا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ )) .

[ متفق عليه عن عائشة ] .

الصلصة صوت الحديد إذا اصطدم بعضه ببعض .

(( مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي ، فَيَفْصِمُ عَنّي ، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَانا يَتَمَثّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُول )) .

وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة ، استغرق نزول الوحي 23 سنة ، منها 13 عاماً بمكة المكرمة ، وهذا هو المشهور ، وعشر سنين في المدينة ، وهذا المتفق عليه .

أيها الإخوة ، إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية ، حيث تلقى النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله القرآن الكريم بوساطة جبريل عليه السلام ، وبالتالي ـ الآن دققوا ـ فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام ، ولا بالتأمل الباطني ، ولا بالاستشعار الداخلي ، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له ، ودون أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أي أثر في الصياغة والمعنى ، القرآن الكريم وحي متلو ، وتنحصر مهمة النبي صلى الله عليه وسلم بتلقي الوحي ، وحفظ الموحى به وتبليغه ، أما بيانه وتفسيره فيتم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوبه ، وبلفظه ، كما تدل على ذلك الأحاديث المحفوظة ، وهو أسلوب مغاير تماماً لأسلوب القرآن الكريم .

ديننا دين وحي ، والوحي حق صُراح .

قال علماء التفسير : الإتمام عددي ، والإكمال نوعي ، إي أن عدد القضايا التي عالجها الوحي تام عدداً ، وأن طريقة المعالجة التي تمت كاملة نوعاً ، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص ، وأي حذف منه اتهام له بالزيادة .